شذرات

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (1).
من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (1).

قال رحمه الله:

(الواعظ من وعظ الناس بعمله، لا بقوله).

تقديم واختيار: ذ.نورالدين الغياط.

 لقد قيّض الله سبحانه وتعالى لهذه الأمّة عدداً من العلماء الربّانين الذين أخذوا على عاتقهم تعليم النّاس الكتاب والسّنّة النّبويّة الشّريفة، وتبليغ الدعوة للعالمين، فالعلماء هم نبراس الأمّة، وهم ورثة الأنبياء؛ حيث لم يورّثوا ديناراً أو درهماً وإنّما ورّثوا علماً وفقهاً وحكمة، تلقّفها العلماء وكانوا أحقّ بحمل أمانة تبليغها للناس، وكان من خيرهم وأفضلهم علماء الصّحابة رضوان الله عليهم الذين تلقّوا العلم غضّاً من فمّ النّبي صلى الله عليه وسلم، وسار على نهجهم من بعدهم التّابعون الذين تمثّلوا أخلاق الصّحابة واقتفوا أثرهم ولزموا واتّبعوا سنّتهم، فقد أخرج البخاري في الصحيح حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل جيل الصحابة والتابعين؛ قال: (خيرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذين يَلُونَهُمْ، قال عِمْرانُ: فلَا أَدْرِي أذَكَرَ بعدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثلاثاً، ثُمَّ إنَّ بعدَكُمْ قوماً يشْهَدُونَ ولَا يُسْتَشْهَدُونَ، ويخونونَ ولَا يُؤْتَمَنُونَ، وينذُرونَ ولَا يُوَفُّونَ، ويَظْهَرُ فيهم السِّمَنُ)([1]).

ومن هؤلاء العلماء الربّانين برز اسم العالم الجليل والعابد الصالح، التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله، عَلَمٌ أشم من أعلام التابعين، اشتهر واستفاضت شهرته، علماً وأدباً وزهدا وورعا، وقد أجرى الله الحكمة على لسانه، فكان القدوة والمثل للأمة وعلمائها، كيف لا وقد فاز بصحبة من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتربى في حجر أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وأرضعته بلبانها، ودر عليه ثديها؛ لبرها به، ومحبتها له، فعادت عليه بركة النبوة، فتكلم بالحكمة، وارتقى في الصلاح والمعرفة إلى أفضل رتبةٍ، وكان -رحمه الله- أحد المتقين، ومن أولياء الله الصِّدِّيقِين، الذين نَهَلُوا من مناهل بيت النبوة، وأحد الزهاد الثمانية الذين تركوا الدنيا، وأقبلوا على الله بالكلية، وكان سيد أهل زمانه علما وعملا. فحفظه الله وآتاه من فضله ورضوانه، وهو من الذين يصدق فيهم قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([2]).

كان الحسن دائم الحزن، كثير البكاء، مطالباً نفسه بالحقائق، بعيداً من التصنُّعِ، لا يُظْهِرُ التَّقَشُّفَ، وإن كان بادياً عليه، ولاَ يَدَعُ التَّجَمُّلَ، ولا يمتنع من لبس جيد الثياب، ولا يتخلف عن مؤاكلة الناس، ولا يتأخر عن إجابة الداعي إلى الطعام، وكان له سَمْتٌ يَعْرِفُهُ بِهِ مَنْ لم يكن رآه.

أما عن سبب حزنه فيقول الحسن رحمه الله: (يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه).

روي أن رجلاً دخل البصرة، ولم يكن رأى الحسن، فسأل عنه الشعبي فقال: ادخل المسجد -عافاك الله- فإذا رأيت رجلاً لم تر مثله قط، فذلك هو الحسن.

وقد روي في الخبر: أن عائشة -رضي الله عنها- سمعت الحسن يتكلم، فقالت: من هذا الذي يتكلم بكلام الصديقين؟

وفيما يلي دُرَرٌ مما روي عنه رحمه الله من المواعظ والحكم والآداب ومكارم الأخلاق في سائر الأشياء، ممّا فتح الله بها على هذا الإمام الفذ:

كان -رحمه الله- يقول: الواعظ من وعظ الناس بعمله، لا بقوله.

وكان ذلك شأنه إذا أراد أن يأمر بشيءٍ، بدأ بنفسه ففعله، وإذا أراد أن ينهى عن شيءٍ انتهى عنه

وكان يقول: اتصل بي أن بعض الصالحين جعل على نفسه ألا يراه الله ضاحكاً حتى يعلم أي الدارين داره: الجنة، أم النار؟ فيقول الحسن -رحمه الله- لقد عزم -رحمه الله- فوفى بعزمه، وما رئي ضاحكاً حتى لحق بالله -عز وجل-.

رأى الحسن شيخاً في جنازة، فلما فرغ من الدفن، قال له الحسن: يا شيخ! أسألك بربك: أتظن أن هذا الميت يود أن يرد إلى الدنيا فيزيد من عمله الصالح، ويستغفر الله من ذنوبه السالفة؟ فقال الشيخ: اللهم نعم! فقال الحسن: فما بالنا لا نكون كلنا كهذا الميت؟! ثم انصرف وهو يقول: أي موعظةٍ؟ ما أبلغها لو كان بالقلوب حياةٌ؟ ولكن لا حياة لمن تنادي.

ولقيه رجلٌ -وهو يريد المسجد في ليلةٍ مظلمةٍ ذات ردغٍ- فقال: أفي مثل هذه الليلة تخرج يا أبا سعيدٍ؟! فقال: يا ابن أخي! هو التسديد أو الهلكة.

كان -رحمه الله- صاحب ليلٍ.

وكان يقول: ما رأيت شيئاً من العبادة أشد من الصلاة في جوف الليل، وإنها لمن أفعال المتقين.

وكان يقول: صلاة الليل فرضٌ على المسلمين، ولو قدر حلب شاةٍ أو فواق ناقةٍ.

وكان يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل، ولا صيام النهار، فَاعْلَمْ أنك محرومٌ؛ قد كبلتك الخطايا والذنوب.

وكان يقول: منع البِرَّ النَّوْمُ، ومن خاف الفوات أدلج.

وقال له رجلٌ: يا أبا سعيدٍ! أعياني قيام الليل، فما أطيقه، فقال: يابن أخي! استغفر الله، وتب إليه، فإنها علامة سوءٍ.

وكان يقول: إنّ الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.

وقيل: حاول الحسن الصلاة ليلةً، فلم تطاوعه نفسه، فجلس سائر الليلة لم ينم فيها حتى أصبح، فقيل له في ذلك، فقال: غلبتني نفسي على ترك الصلاة، فغلبتها على ترك النوم، وايم الله! لا أزال بها كذلك حتى تذل وتطاوع.

عن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي.

وقال: إنَّ قوماً ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة. يقول أحدهم: إني لحسن الظن بـالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بـالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة (الصحراء) من غير زاد ولا ماء أن يهلك.

وقيل: مر الحسن برجلٍ يضحك، فقال: يابن أخي! جزت الصـراط؟ فقال: لا، فقال: فهل علمت إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ فقال: لا، فقال: ففيم الضحك -عافاك الله- والأمر هولٌ؟! قيل: فما رئي الرجل ضاحكاً حتى مات.

ورأى الحسن قوماً يتضاحكون، ويتغامزون، ويتدافعون بعد انصرافهم يوم الفطر من صلاة الفجر، فقال: يا قوم! إن الله سبحانه جعل شهر رمضان مضماراً لعباده، يستبقون الطاعة إلى رحمة الله، ويجتهدون في الأعمال ليفوزوا بدخول جنته، فسبق أقوامٌ ففازوا، وقصـر آخرون فخابوا، والعجب كل العجب للضاحك في اليوم الذي ربح فيه المحسنون، وخسر المبطلون.

أما -والله- لو كشف الغطاء، لشغل محسنٌ بإحسانه، ومسـيءٌ بإساءته، عن تجديد ثوب، وترجيل شعر.

فإن كنتم -وفقكم الله- قد تقرر عندكم أن سعيكم قد قبل، وعملكم الصالح قد رفع، فما هذا فعل الشاكرين! وإن كنتم لم تتيقنوا ذلك، فما هذا فعل الخائفين!

وكان يقول: ابن آدم! أقلل الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب، وتزيل البهجة، وتسقط المروءة، وتزري بذي الحال.

وكان يقول: روي أن الله -سبحانه وتعالى- أوحى إلى عيسى -عليه السلام- يا عيسى! أَكْحِلْ عينيك بالبكاء إذا رأيت الغافلين يضحكون.

وعاد الحسن عليلاً، فوافقه وهو في الموت، ورأى تقلبه وشدة ما نزل به، فلما رجع إلى داره، قدموا له طعاماً، فقال: عليكم بطعامكم وشرابكم؛ فإني رأيت مصرعاً لا بد لي منه، ولا أزال أعمل له حتى ألقاه، وتأخر عن الطعام أياماً، حتى لطف به وأكل.

وكان يقول: إن الله سبحانه لم يجعل لأعمالكم أجلاً دون الموت، فعليكم بالمداومة؛ فإنه -جل ثناؤه- يقول: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ}([3]).

وكان يقول: رأيت سبعين بَدْرِياً، لو رأيتموهم لَقُلْتُم: مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء من خلاقٍ، ولو رأوا شراركم لقالوا: هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب.

وكان يقول: رحم الله امرأً نَظَرَ فَفَكَّرَ، وَفَكَّرَ فاعْتَبَرَ، واعتبر فأبْصَرَ، وأَبْصَرَ فَصَبَرَ.

لقد أبصر أقوامٌ ثم لم يصبروا، فذهب الجزع بقلوبهم، فلم يدركوا ما طلبوا، ولا رجعوا إلى ما فارقوا، فخسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

وكان يقول: أيها الناس! إني أعظكم ولست بخيركم ولا أصلحكم، وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير مُحْكِمٍ لها، ولا حاملها على الواجب في طاعة ربها، ولو كان المؤمن لا يعظ أخاه إلا بعد إحكام أمر نفسه، لعدم الواعظون، وقل المذكرون، ولما وجد من يدعو إلى الله -عز وجل-، ويرغب في طاعته، وينهى عن معصيته، ولكن في اجتماع أهل البصائر، ومذاكرة المؤمنين بعضهم بعضاً حياةٌ لقلوب المتقين، وادكارٌ من الغفلة، وأمانٌ من النسيان، فالزموا -عافاكم الله- مجالس الذكر، فرب كلمةٍ مسموعةٌ، ومحتقرٍ نافعٌ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}([4]).

أيها الناس! أصبحتم -والله- في أجلٍ منقوصٍ، وعملٍ محصىً محروسٍ، الموت فوق رؤوسكم، والنار بين أيديكم.

أيها الناس! إنما لأحدكم نفسٌ واحدة، إن نجت من عذاب الله، لم يضرها من هلك، وإن هلكت، لم ينفعها من نجا، فاحذروا -عافاكم الله- التسويف؛ فإنه أهلك من قبلكم، وإنكم لا تدرون متى تسيرون؟ ولا إلى أي شيءٍ تصيرون؟ فرحم الله عبداً عمل ليوم معاده، قبل نفاد زاده.

وقال: أيها الناس! إن الله -عز وجل- بسط لكم صحيفةً، وكل بكل رجلٍ منكم ملكين كريمين، أحدهما عن اليمين، والآخر عن اليسار، وهو تعالى رقيبٌ عليهما، فإن شاء قلل، وإن شاء كثر، إنما يملي كتاباً {لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}([5])، ولقد روي أنه لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم : {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}([6])، قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- نزلت -والله- قاصمة الظهور. فإذا قال ذلك أبو بكر، وقد شهد له بالجنة، فكيف يجب أن يكون قول من سواه؟ فاعتبروا -معشر المؤمنين- وكونوا على حذرٍ؛ لعلكم تأمنون من عذاب يومٍ عظيمٍ.

وكان يقول: ابن آدم! إياك والاغترار؛ فإنك لم يأتك من الله أمانٌ؛ فإن الهول الأعظم والأمر الأكبر أمامك، وإنك لا بد أن تتوسد في قبرك ما قدمت؛ إن خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشر، فاغتنم المبادرة في المهل، وإياك والتسويف بالعمل، فإنك مسؤولٌ، فأعد للمسألة جواباً. وكان يقول: ابن آدم! إن المؤمن لا يصبح إلا خائفاً، وإن كان مُحْسِناً، ولا يصلح أن يكون إلا كذلك؛ لأنه بين مخافتين: ذنب مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وأجلٍ قد بقي لا يدري ما الله مبتليه في، فرحم الله عبداً فكر واعتبر، واستبصر فأبصر، ونهى النفس عن الهوى.

ابن آدم! إن الله -جلت قدرته- أمر بالطاعة، وأعان عليها، ولم يجعل عذراً في تركها، ونهى عن المعصية، ونفى عنها، ولم يوسع لأحدٍ في ركوبها، ولقد روي أن الله -سبحانه وتعالى- يقول يوم القيامة لآدم: يا آدم! أنت اليوم عدلٌ بيني وبين ذريتك، فمن رجح خيره على شره مثقال ذرةٍ، فله الجنة، حتى تعلم أني لا أعذب إلا ظالماً.

وكان يقول: ما في جهنم وادٍ، ولا سلسلةٌ، ولا قيدٌ، إلا واسم صاحبه مكتوبٌ عليه ما حكم في القضاء، فكيف -أيها الناس- إن اجتمع ذلك كله على عبدٍ؟! اتقوا الله أيها الناس، واحذروا مقته؛ فلمقت الله أكبر لو كانوا يعلمون.

وقيل: خرج الحسن يوماً على أصحابه وهم مجتمعون، فقال: والله لو أن رجلاً منكم أدرك من أدركت من القرون الأولى، ورأى من رأيت من السلف الصالح، لأصبح مهموماً، وأمسى مغموماً، وعلم أن المجد منكم كاللاعب، والمجتهد كالتارك، ولو كنت راضياً عن نفسي، لوعظتكم، ولكن الله يعلم أني غير راضٍ عنها، ولذلك أبغضتها وأبغضتكم.

أيها الناس! إن لله عباداً هم كمن رأى أهل الجنة في الجنة متنعمين، وأهل النار في النار معذبين، فهم يعملون لما رأوا من النعيم، وينتهون عما خالفوا من العذاب الأليم. أيها الناس! إن لله عباداً قلوبهم محزونةٌ، وشرورهم مأمونةٌ، وأنفسهم عفيفةٌ، وجوانحهم خفيفةٌ، صبروا الأيام القلائل؛ لما رجوا في الدهور الأطاول، أما الليل، فقائمون على أقدامهم، يتضرعون إلى ربهم، ويسعون في فكاك رقابهم، تجري من الخشية دموعهم، وتخفق من الخوف قلوبهم، وأما النهار، فحكماء علماء أتقياء أخفياء، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تخالهم من الخشية مرضى، وما بهم مرضٌ، ولكنهم خولطوا بذكر النار وأهوالها، لهم -والله- كانوا فيما أحل لهم أزهد منكم فيما حرم عليكم، وكانوا أبصر بقلوبهم لدينهم منكم لدنياكم بأبصاركم، ولهم كانوا بحسناتهم أن ترد عليهم أخوف منكم أن تعذبوا على سيئاتكم، {أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}([7]).

وكان يقول: ابن آدم! لا يغرنك من حولك من هذه السباع العادية: ابنك، وحليلتك وخادمك وكلالتك: أما ابنك، فمثل الأسد ينازعك ما بين يديك، وأما حليلتك فمثل الكلبة في الهرير والبصبصة؛ وأما خادمك فمثل الثعلب في الحيلة والسرقة؛ وأما كلالتك، فوالله لدرهمٌ يصل إليهم بعد موتك أحب إليهم من أن لو كنت أعتقت رقبةً، فإياك أن توقر ظهرك بصلاحهم؛ فإنما لك منهم أيامك القلائل، وإذا وضعوك في قبرك، انصرفوا عنك، فصرفوا بعدك الثياب، وضربوا الدفوف، وضحكوا القهقهة، وأنت تحاسب بما في أيديهم، فقدم لنفسك{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ انَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}([8]). أيها الناس! إنّ أحدكم يحذره صاحبه أمراً، فيتقيه ويحذره، فكيف من حذره ربه نفسه، وخوفه عقوبته؟ يقول الله سبحانه: { أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}([9]).

وكان يقول: ألا تعجبون من رجلٍ يلهو ويغفل، ويهزأ ويلعب، وهو يمشي بين الجنة والنار، لا يدري إلى أيهما يصير؟...يتبع. ([10])

 


([1]) أخرجه البخاري في الصحيح-كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -5/2-3، رقم: 3650.

([2])  سورة التوبة آية 101.

([3])  سورة الحجر آية 99.

([4])  سورة آل عمران آية 102.

([5])  سورة الكهف آية 48.

([6])  سورة النساء آية 122.

([7])  سورة المجادلة آية 21.

([8])  سورة آل عمران آية 30.

([9])  سورة الأعراف أية 98.

([10])  -سير أعلام النبلاء للذهبي. الذهبي (ت: 748هـ). المحقق : مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط. الناشر : مؤسسة الرسالة. الطبعة: الثالثة ،1405هـ / 1985م.

       -آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه. تأليف ابن الجوزي. تحقيق: سليمان الخرش. دار    الصديق. -بيروت- ط1. 2005م.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

درر من مواعظ الصحابة رضي الله عنهم (1).

درر من مواعظ الصحابة رضي الله عنهم (1).

إنّ للصحابة رضي الله عنهم مكانةٌ عظيمةٌ في قلوب المسلمين، فهم أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين، فقد جعلهم الله خير أمةٍ أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله، فجعلهم مثلًا للكتابين؛ لأهل التوراة والإنجيل، خير الأمم أمَّته، وخير القرون قرنه، يرفع الله من أقدارهم؛ إذ أمر الله عزو جل نبيه صلى الله عليه وسلم  بمشاورتهم؛

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (3)

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (3)

الحسن البصري عَلَمٌ أشم من أعلام التابعين، وعالم رباني من عباد الله الصالحين، هو أحدُ علماء أئمةِ التابعين المشهورين؛ رُبِّي في حجر أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأرضعته بلبانها، ودر عليه ثديها؛ لمحبتها له، فعادت عليه بركة النبوة، فتكلم بالحكمة، وارتقى في الصلاح والمعرفة إلى أفضل رتبة، وقد كان -رحمه الله- أحد المتقين، ومن أولياء الله الصديقين.

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (2)

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (2)

لقد قيّض الله سبحانه وتعالى لهذه الأمّة عدداً من العلماء الربّانين الذين أخذوا على عاتقهم تعليم النّاس الكتاب والسّنّة النّبويّة الشّريفة، وتبليغ الدعوة للعالمين، فالعلماء هم نبراس الأمّة، وهم ورثة الأنبياء؛ حيث لم يورّث الأنبياء ديناراً أو درهماً وإنّما ورّثوا علماً وفقهاً وحكمة، تلقّفها العلماء وكانوا أحقّ بحمل أمانة تبليغها للناس، وكان من خيرهم وأفضلهم علماء الصّحابة رضوان عليهم الذين تلقّوا العلم غضّاً من فمّ النّبي صلى الله عليه وسلم، ...