دفاعا عن الصحابة والتابعين

عمر بن الخطاب وسعيد بن العاص رضي الله عنهما
عمر بن الخطاب وسعيد بن العاص رضي الله عنهما

 

 

 

بدر العمراني

نقل عبدالباقي قرنة الجزائري: (قالوا: رأى عمر بن الخطّاب سعيد بن العاص، وقال له: مالي أراك مُعْرِضًا أتظنّ أني قتلت أباك؟ ولوددتُ أنّي قتلتُه ولا أعتذر إلى الله من قتل مشرك، لكنّي بصرتُ به وهو يبحث للقتال كما يبحث الثور، والزَّبَدُ يرغو على شِدْقَيْه فناداني هلمّ إليّ يابن الخطّاب، فحِدْتُ عنه وصمد له عليّ فقتله! وفي رواية غير ابن إسحاق والواقديّ: وكان عليّ جالسا فقال: اللّهم غفرا، ذهب الشّرك بما فيه، ومحا الإسلام ما قبله! فعلام تهاج القلوب؟! فسكت عمر! فقال سعيد: ما وددت أن قتل أبي غير ابن عمي)([1]).

وقد عزا النقل لابن سعد في الطبقات الكبرى، وابن هشام في السيرة النبوية، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وعبد الملك بن حسين بن عبد الملك العصامي المكي (ت 1111هـ) في سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي.

فلم أجد النقل عند من أحال عليهم؛ سوى ما نقله ابن سعد في الطبقات وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق قالا خلال ترجمة سعيد بن العاص: (وذلك أن أباه العاص بن سعيد بن العاص بن أمية قُتل يوم بدر كافرا. وقال عمر بن الخطاب لسعيد بن العاص: ما لي أراك مُعْرِضًا؟ كأنك ترى أنّي قتلت أباك. ما أنا قتلته، ولكنه قتله علي بن أبي طالب، ولو قتلته ما اعتذرت من قتل مشرك، ولكني قتلت خالي بيدي العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. فقال سعيد بن العاص: يا أمير المؤمنين، لو قتلته كنت على حق، وكان على باطل. فسَرّ ذلك عمر منه)([2]).

وابن هشام والمعصومي([3]) كلاهما أوردا عبارة: (وَالْعَاصِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ)([4]).

وهذا مخالف لما أورده الكاتب زيادة وتصرفا. فمن أين له بالزيادة؟

وقد تعبت في البحث عنها في مصادر أخرى فلم أظفر بشيء.

ثم قال معلّقا ـــ أعني: الجزائري ــ: (في كلام عمر بن الخطّاب تضارب عجيب، فهو من جهة يقول: (ولوددت أنّي قتلته) وقد أتيح له قتاله فلم يفعل، وقال: (فناداني هلمّ إلي يابن الخطّاب، فحِدْتُ عنه)، وهذا معناه أنّ عمر نكل عن المبارزة، وهو أمر قبيح عند العرب مسلمهم وكافرهم. ثمّ هو يعرّض بعلي بن أبي طالب عليه السلام، وقد جاء الرّدّ قويّا من طرف سعيد بن العاص).

قلت:

أولا: هذا الكلام كله مبني على فراغ، لأنّ الزيادة التي أتى بها الكاتب الجزائري غير موجودة في الكتب المحال عليها. إذن فعليه أن يثبت النقل أوّلا. من باب أثبت العرش ثم انقش.

ثانيا: لِمَ بتر نقل ابن سعد، فهو ينفي التعريض، ويناقض الزيادة الملفقة، قال: (ولو قتلته ما اعتذرت من قتل مشرك، ولكني قتلت خالي بيدي: العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. فقال سعيد بن العاص: يا أمير المؤمنين، لو قتلته كنتَ على حق، وكان على باطل. فسَرّ ذلك عمر منه).

علاوة على ذلك، فالخبر الذي أورده ابن سعد معلّق، فكيف نعتمد عليه في الحكم على الصحابي، وننبش في طويته؟

فما هكذا يكون التحقيق العلمي بالتدليس والتلبيس والتلفيق.

 والله الموفق لإيضاح الحق.

 


([1]) الطبقات الكبير 3/268.

([2]) الطبقات الكبير 5/31. تاريخ دمشق 21/114.

([3]) ملاحظة: رجعت إلى لائحة المصادر والمراجع لأتأكد من الطبعىة التي اعتمد عليها الجزائري في كتاب سمط النجوم للمعصومي فلم أجد الكتاب مدرجا ضمن اللائحة. وهذا الصنيع فيه ما فيه.

([4]) السيرة النبوية لابن هشام 1/708. سمط النجوم العوالي 2/94.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أئمة يهدون بأمرنا

أئمة يهدون بأمرنا

قال الحاكم الحسكاني: (وفيها ــ أي سورة السجدة ــ نزل أيضا قوله تعالى:

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ

خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة الزهراء رضي الله عنهم

خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة الزهراء رضي الله عنهم

مما يذكره المغرضون للحط من مكانة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، رفض الرسول صلى الله عليه وسلم خطبتهم بضعته الشريفة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. ويستدلون بما رواه النسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه من طريق الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما فَاطِمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ.

صلّ معي الغداة وغبّش

صلّ معي الغداة وغبّش

قال ابن سعد رحمه الله في الطّبقات الكبير: (أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأغَرّ، وأحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، قالا: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، عن جدّه: أن سعيد بن العاص أتى عمر يستزيده في داره التي بالبلاط، وخطّط أعمامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: صَلّ معي الغداة وغَبِّش، ثمّ أذْكِرْني حاجتك. قال: ففعلتُ، حتّى إذا هو انصرف، قلت: يا أمير المؤمنين، حاجتي التي أمرتني أن أذكرها لك؟ قال: فوثب معي. ثمّ قال: امض نحو دارك، حتّى انتهيت إليها، ...