شذرات

من درر سعيد بن المسيب سيد التابعين
من درر سعيد بن المسيب سيد التابعين

قال رحمه الله:

(مَا دَخَلَ عليّ وقتُ صلاةٍ إلاّ وقد أخذتُ أهبتها،

ولا دَخَلَ عليّ قضاء فرضٍ إلاّ وأنا إليه مشتاقٌ).

تقديم واختيار: ذ.نورالدين الغياط.

لقد نقلت لنا كتب التّاريخ والسير  والطبقات والتراجم سيرا لعلماء ربانين نطقوا بالحكمة، فكانت أقوالهم نبراسا يهتدى به، وكان من خيرهم وأفضلهم علماء الصّحابة رضي الله عنهم الذين تلقّوا العلم غضًّا طريا من فمّ النّبي صلى الله عليه وسلم، وقد سار على نهجهم التّابعون الذين تمثّلوا أخلاق الصّحابة واقتفوا أثرهم ولزموا واتّبعوا سنّتهم.

وقد أثنى الله تعالى على التابعين في كتابه الكريم بعد ثنائه على الصحابة الكرام، فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([1]) فاشتملت الآية الكريمة على أبلغ الثناء من الله رب العالمين على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان؛ حيث أخبر الله تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه بما أكرمهم به من جنات النعيم.

وقد صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان، أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى، والوعد بالخلود في الجنات، والفوز العظيم، وبين في مواضع أخر، أن الذين اتبعوا السابقين بإحسان يشاركونهم في الخير كقوله جل وعلا: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ }([2])، وقوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}([3])، وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ}([4]) ، ولا يخفى أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة ، أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهو دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم، أنه ضال مخالف لله جل وعلا؛ حيث أبغض من رضي الله عنه، ولا شك أن بغض من رضي الله عنه مضادة له جل وعلا، وتمرد وطغيان([5]) .

وقد جاءت السنة النبوية بأحاديث كثيرة في فضل التابعين منها: عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: قال  النّبي صلّى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ([6])، قال الطيبي: يعني الصحابة ثم التابعين، وقال الحافظ ابن حجر: والمراد بقرن النبي صلى الله عليه وسلم  في هذا الحديث: الصحابة، وأما قرن التابعين فإن عد من سنة مئة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن عد منها كان نحواً من خمسين. فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان ([7]).

ومن أشهر التابعين: سعيد بن المسيب الإمام، العَلَمُ،  الزَّاهِد العَابِدُ، أبو محمد القرشيّ، المخزوميّ، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه.  

كان رحمه الله حسن الموعظة في أقواله، ينطق بالحكمة، ويجيد النصح والتذكير والتخويف.

لقد كان له -رحمه الله- فهم خاص لمفهوم التعبد، فقد روى بكر بن خنيس، أنه قال: «قلت لسعيد بن المسيب، وقد رأيت أقواماً يصلون ويتعبدون: يا أبا محمد ألا تتعبد مع هؤلاء القوم؟، فقال لي: يا ابن أخي إنها ليست بعبادة، قلت له: فما التعبد يا أبا محمد؟، قال: التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله وأداء فرائض الله تعالى».

كما كان سعيد يرى العزة في طاعة الله، فقد رُوي عنه قوله: «ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله عز وجل، ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله، وكفى بالمؤمن نصرة من الله أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله»، جمع معها عزة نفس.

وكانت نظرته إلى الدنيا نظرة زاهد، فقال: «أن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها».

قال رحمه الله: (من استغنى بالله افتقر الناس إليه).

وكان يقول: (لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله، يعطي منه حقه، ويكف به وجهه عن الناس).

وقال: (إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه. وقال: من كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله).

وقال: (يد الله فوق عباده، فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضعها رفعه الله، الناس تحت كنفه يعملون أعمالهم، فإذا أراد الله فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه، فبدت للناس عورته).

عن سعيد بن المسيب، قال: (لا خير فيمن لا يحب هذا المال يصل به رحمه ويؤدي به أمانته ويستغني به عن خلق ربه.)

وقال: لا تقولن (مُصَيْحِفٌ، ولا مُسَيْجِدٌ، ولكن عظموا ما عظم الله، كل ما عظم الله فهو عظيم حسن).

وكان رحمه الله يكثر أن يقول: (اللهم سلّم سلّم).

عن سعيد بن المسيب، قال: (ما أيس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء).

وكان يقول وهو ابن أربع وثمانين سنة، وقد ذهبت إحدى عينيه، وهو يعشو بالأخرى: (ما شيء أخوف عندي من النساء).

قال: (لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة، إلا بإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة).

عن ابن حرملة، قال: ما سمعت سعيد بن المسيب سبّ أحدا من الأئمة، إلا أني سمعته يقول:

(قاتل الله فلانا، كان أول من غير قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه قال): «الولد للفراش وللعاهر الحجر»([8]).

و كان يقول: (يد الله فوق عباده فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضعها رفعه الله. الناس تحت كنفه يعملون أعمالهم فإذا أراد الله فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه فبدت للناس عورته).

عن بشر بن عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيب: يا عم، ألا تخرج، فتأكل اليوم مع قومك؟

قال: (معاذ الله يا ابن أخي! أدع خمسا وعشرين صلاة خمس صلوات وقد سمعت كعبا يقول: وددت أن هذا اللبن عاد قطرانا).

قال برد مولى ابن المسيب لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحسن ما يصنع هؤلاء!

قال سعيد: وما يصنعون؟

قال: يصلي أحدهم الظهر، ثم لا يزال صافا رجليه حتى يصلي العصر.

فقال: ويحك يا برد! أما -والله- ما هي بالعبادة، إنما العبادة التفكر في أمر الله، والكف عن محارم الله.

قال سعيد بن المسيب: (ما خفت على نفسي شيئا مخافة النساء).

قالوا: يا أبا محمد، إن مثلك لا يريد النساء، ولا تريده النساء.

فقال: هو ما أقول لكم. وكان شيخا كبيرا، أعمش.

قال رحمه الله: (من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة).

وقال: (قلة العيال أحد اليسرين).

علي بن زيد، قال: قال لي سعيد بن المسيب: قل لقائدك يقوم، فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده. فقام، وجاء، فقال: رأيت وجه زنجي، وجسده أبيض. فقال سعيد: إن هذا سب هؤلاء: طلحة، والزبير، وعليا - رضي الله عنهم - فنهيته، فأبى، فدعوت الله عليه. قلت: إن كنت كاذبا، فسود الله وجهك. فخرجت بوجهه قرحة، فاسود وجهه.

وعن علي بن زيد، قال: رآني سعيد بن المسيب-وعلي جبة خز- فقال: انك لجيد الجبة. قلت: وما تغني عني، وقد أفسدها علي سالم، فقال سعيد: أصلح قلبك، والبس ماشئت).

 

 


([1])  سورة  التوبة آية 101.

([2])  سورة  الجمعة آية 3.

([3])  سورة  الحشر آية 10.

([4])  سورة  الأنفال آية 76

([5])  محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان في ايضاح القرآن بالقرآن: 2/148.

([6]) أخرجه مسلم في الصحيح-كتاب فضائل الصحابة– باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم:4/1963 رقم: 2533.

([7])  ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري: 5/7.

([8])  أخرجه البخاري في الصحيح-كتاب الفرائض-باب الولد للفراش، حرة كانت أو أمامة-8/153 رقم: 6749. ومسلم في الصحيح-كتاب الرضاع -باب الولد للفراش، وتوقي الشبهات-2/1081 رقم: 1458.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (1).

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (1).

لقد قيّض الله سبحانه وتعالى لهذه الأمّة عدداً من العلماء الربّانين الذين أخذوا على عاتقهم تعليم النّاس الكتاب والسّنّة النّبويّة الشّريفة، وتبليغ الدعوة للعالمين، فالعلماء هم نبراس الأمّة، وهم ورثة الأنبياء؛ حيث لم يورّثوا ديناراً أو درهماً وإنّما ورّثوا علماً وفقهاً وحكمة، تلقّفها العلماء وكانوا أحقّ بحمل أمانة تبليغها للناس، وكان من خيرهم وأفضلهم علماء الصّحابة رضوان الله عليهم...

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

لقد ميّز الله سبحانه جيل الصّحابة بالفضل والمكانة العظيمة، وهو خير القرون على الإطلاق بما اتّصف به هذا الجيل من الصّفات والخصال التي جعلته يتبوّأ مكانةً لن يبلغها جيلٌ بعده، ولقد امتدح الله صحابة رسول الله في القرآن الكريم، كما بيّن النّبي صلى الله عليه وسلم فضلهم بقوله يومًا: >اللهَ اللهَ في أصحابي لا تتَّخِذوا أصحابي غَرَضًا، مَن أحَبَّهم فبِحُبِّي أحَبَّهم، ومَن أبغَضهم فبِبُغْضـي أبغَضهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى اللهَ، ومَن آذى اللهَ يوشِكُ أنْ يأخُذَه...

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (2)

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (2)

إنّ للصحابة رضي الله عنهم فضل كبير في تبليغ الدعوة ونشـر هذا الدين، وقد ورد فضلهم هذا في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشـريفة. لما تمتعوا به من  الصفات العالية والأخلاق الحميدة، فقد كان الصّحابة مثالًا في الورع والصّلاح والتّقوى والبذل في سبيل الله، وكان لكلّ واحدٍ منهم صفة تميّزه عن غيره، فكلّ الصّحابة كانوا مناراتٍ يُهتدى بها في ظلمات الحياة ودياجيرها، نهل جميعهم من نور النبوة والصحبة الشـريفة لسيد الخلق بنصيب وافر، وفازوا بذلك فوزا كبيرا.