دفاعا عن الصحابة والتابعين

فرية اتخاذ سيف من خشب
فرية اتخاذ سيف من خشب

 

 

 

بدر العمراني

قال ابن تيمية رحمه الله في سياق الكلام عن الرافضة: (..ولكن كانوا يسمون بغير ذلك الاسم، كما كانوا يسمون الخشبية؛ لقولهم: إنّا لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم، فقاتلوا بالخشب.. ولهذا جاء في بعض الروايات عن الشعبي، قال: ما رأيت أحمق من الخَشَبِيّة)([1]).

لعلّ هذه التسمية أصلها هو الاعتماد على حديث رفعه صحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ذكره أبو موسى عيسى بن سليمان الرّعيني (ت632هـ) في كتابه الجامع، قال: (ابن منده قال: أنا محمد بن سعد الأَبْيَوَرْدِي، نا عبدالله بن العبّاس البصري، نا عبدالرحمن بن عمرو بن جَبَلَة، حدثتنا بنت أبي حرب بن أبي الأسود الدِّيْلي، عن عُدَيْسَة بنت وَهْبَان بن صَيْفِي، عن أبيها، قال: جاء عَلِيّ إليه، فقال: اخرج معنا، فقال: نعم، إنْ رضيت أنْ أَخْرُجَ بالسَّيْفِ الذي أمرني خليلي وابن عمّك صلى الله عليه وآله وسلم، أمرني إذا خرج النّاس بعضهم على بعض: أن أتّخذ سيفا من خشب)([2]).

قلت: هذا حديث منكر، سندا ومتنا.

- السند، فيه: عبدالرحمن بن عمرو بن جبلة، جرّحه النّقاد، فقالوا:

قال أبو حاتم: كان يكذب، فضربت على حديثه.

وقال الدارقطني: متروك يضع الحديث.

وقال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة: ضعيف الحديث جدا([3]).

بنت أبي حرب بن أبي الأسود الدِّيْلي، لا تُعرف لها ترجمة، ولم تُذكر من الرواة عن أبيها([4]).

عُدَيْسَة بنت وَهْبَان بن صَيْفِي، قال عنها ابن حجر في التقريب: مقبولة. وقصده: (من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع، وإلا فلين الحديث).

قلت: ولها متابع، رواه ابن سعد في الطبقات، والترمذي في الجامع، من طريق: إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثني عبدالله بن عبيد، عن عديسة بنت أهبان بن صيفي الغفاري، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: جاء علي إلى أبي، فدعاه إلى الخروج معه، فقال: إن خليلي وابن عمك أمرني إذا اختلف الناس أن أتخذ سيفا من خشب. وقد اتخذته، فإن شئت خرجت به معك. فتركه([5]).

قال أبو عيسى: وفي الباب عن محمد بن مسلمة، وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبيد.

قلت: عبدالله بن عبيد الحميري وإن كان ثقة في دينه، لكنه في حفظه شيء، والدليل على ذلك تفرّده بهذه الرواية، ولم يوافقه عليها إلاّ مجهولة، كما في الطريق السابقة. ولأجل ذلك قال أبو حاتم: ما به بأس. واكتفاء الذهبي بهذا الحكم أثناء ترجمته في تاريخ الإسلام([6]). دلالة على الإقرار. واصطلاح أبي حاتم فسره ابنه بقوله: (ووجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى: وإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو متقن ثبت، فهو ممن يحتج بحديثه، وإذا قيل له: صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهى المنزلة الثانية..)([7]). إذن، هذا لا تقبل روايته حتى يتابع.

ومن ثمّ، يبقى حكم الترمذي حكم مركب من الحُسْن والغرابة، فحين قيّده بالغرابة، سلب عنه صفة الحسن الاصطلاحي. فصار معلولا. وآفته عبدالله بن عبيد كما بيّنت. والله أعلم.

إذن، الحديث منكر إسنادا. والمتابعة لم تنفعه.

- المتن: معارض بأحاديث أخرى صحيحة، مثل:

حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القَطْر يَفِرُّ بدينه من الفتن)([8]).

وعن عامر بن سعد، قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد، قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب. فنزل، فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك، وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره، فقال: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي([9]).

وحديث حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر، قال: نعم. فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير. قال: نعم، وفيه دَخَن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يسْتَنُّون بغير سُنّتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك([10]).

فكيف، يتوارد كبار الصحابة على رواية أحاديث الفرار من الفتن، وينفرد صحابي مجهول بحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر بالانغماس في الفتن بسيف من خشب.

هذا غير مقبول عقلا ونقلا، ودال على الاختلاق والافتراء. والله أعلم.

والله الموفق لإيضاح الحق.

 


([1]) منهاج السّنّة النّبوية 1/15.

([2]) الجامع لما في المصنّفات الجوامع من أسماء الصّحابة الأعلام أولي الفضل والأحلام 5/352.

([3]) انظر لسان الميزان 5/116.

([4]) انظر ترجمة أبي حرب بن أبي الأسود في تهذيب الكمال للمزي 33/231.

([5]) الطبقات الكبير 10/446. جامع الترمذي-كتاب الفتن-باب ما جاء في اتخاذ سيف من خشب في الفتنة. رقم: 2203. 4/490.

([6]) تاريخ الإسلام 4/101.

([7]) الجرح والتعديل-باب بيان درجات رواة الآثار 2/37.

([8]) رواه البخاري في الصحيح-كتاب الإيمان-باب من الدّين الفرار من الفتن. رقم: 19. كتاب بدء الخلق-باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال. رقم: 3300.

([9]) رواه مسلم في الصحيح-كتاب الزهد والرقائق. رقم: 2965.

([10]) رواه مسلم في الصحيح-كتاب الإمارة-باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين. رقم: 1847.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الهجوم على بيت فاطمة؟

الهجوم على بيت فاطمة؟

يقول صاحب الحقيقي والوهمي من سيرة عمر بن الخطاب: (كثر الحديث في أيّامنا حول التشكيك في الهجوم على بيت فاطمة (ع)، مع أنّ أبا بكر بن أبي قحافة اعترف شخصيّا أنّه كشف بيت فاطمة، وقال ذلك في آخر حياته كالنّادم على فعلته، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز. قال أبو بكر بن أبي قحافة: "فأما الثلاث اللاتي وددت أنّي لم أفعلهنّ فوددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته، وأن أغلق علي الحرب، ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر..الخ الحديث"...

أئمة يهدون بأمرنا

أئمة يهدون بأمرنا

قال الحاكم الحسكاني: (وفيها ــ أي سورة السجدة ــ نزل أيضا قوله تعالى:

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ

خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة الزهراء رضي الله عنهم

خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة الزهراء رضي الله عنهم

مما يذكره المغرضون للحط من مكانة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، رفض الرسول صلى الله عليه وسلم خطبتهم بضعته الشريفة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. ويستدلون بما رواه النسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه من طريق الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما فَاطِمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ.