قصص وعبر

قصة ثابت بن الدَّحْدَاح رضي الله عنه، أقرض الله كل ما يملك ومات شهيدا في أحد
قصة ثابت بن الدَّحْدَاح رضي الله عنه، أقرض الله كل ما يملك ومات شهيدا في أحد

 

 

 

إعداد وتقديم: ذ/ نافع الخياطي

عَرَفَ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الدنيا فَزَهِدُوا فيها وَوَظَّفُوا كُلَّ متاعها ونعيمها لخدمة دينهم، ولبناء آخرتهم، ولمرضاة ربهم، وجادوا بالنفس والنفيس ابتغاء رضوان الله.

قال الإمام الحسن: مَرَّ أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُومِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة)([1]).

فقال الأعرابي: كلام من هذا؟.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلام الله».

فقال: بيْعٌ والله مُرْبِحٌ لا نُقِيلُه وَلَا نَسْتَقِيلُه. فخرج إلى الغَزْو واستُشْهد.

قال الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية:

«أصل الشراء بين الخلق أن يُعَوَّضُوا عَمَّا خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النَّفع؛ فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته، وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضاً عنها إذا فعلوا ذلك. وهو عوضٌ عظيم لا يدانيه المعوَّض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومن الله الثواب والنوال، فَسُمِّي هذا شراء».

كان ثابت بن الدحداح يَعْلَمُ هذا جيِّداً.. فقدَّم ماله أمامه لله أوَّلاً !!.

يقول زيد بن أسلم:

«لما نزل: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً)([2]) قال أبو الدحداح: فداك أبي وأمي يا رسول الله! إن الله يَسْتَقْرِضُنَا وهو غنيٌّ عن القَرْض؟.

قال: «نَعَمْ يريد أن يُدْخِلَكُم الجنة به».

قال: فإني إن أقرضتُ ربِّي قرضاً يضمن لي به ولِصبْيتي الدَّحْدَاحَة معي الجنة؟.

قال: «نعم».

قال: فَنَاوِلْنِي يَدَك؛ فَنَاوَلَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يده. فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسَّافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما، قد جعلتهما قرضاً لله تعالى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعل إحداهما لله، والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك».

قال: فَأُشْهِدُكَ يا رسول الله أني قد جعلتُ خيرهما لله تعالى، وهو حائط فيه ستمائة نخلة !!.

قال: «إذاً يجزيك الله به الجنة».

فانطلق أبو الدَّحداح حتى جاء أمَّ الدَّحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول:

هداك ربِّي سُبُل الرَّشاد  **  إلى سبيل الخير والسَّداد

بِينِي من الحائط بالوداد  **  فقد مضى قرضاً إلى التَّناد

أقرضتُه الله على اعتمادي  **  بالطَّوْع لا مَنٍّ ولا ارْتداد

إلاَّ رجاء الضِّعف في المعاد  **  فارتحلي بالنفس والأولاد

والبِرَّ لا شَكَّ فَخيْرُ زاد  **  قدَّمه المرءُ إلى المعاد.

قالت أُمُّ الدَّحداح: ربح بيعُك! بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أجابته أمُّ الدحداح وأنشأت تقول:

بَشَّرَكَ اللهُ بِخَيْرٍ وَفَرَحْ  **  مِثْلُكَ أَدَّى مَا لَدَيْهِ وَنَصَحْ

قَدْ مَتَّعَ اللهُ عِيَالِي وَمَنَحْ  **  بِالعَجْوَةِ السَّوْدَاءِ وَالزَّهْوِ البَلَحْ

وَالْعَبْدُ يَسْعَى وَلَهُ مَا قَدْ كَدَحْ  **  طُولَ اللَّيَالِي وَعَلَيْهِ مَا اجْتَرَحْ.

ثم أقبلت أمُّ الدَّحداح على صبيانها تُخْرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أَفْضَتْ إلى الحائط الآخر؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَاحٍ([3])، وَدَارٍ فَيَّاحٍ([4]) لِأَبِي الدَّحْدَاحِ»([5]).

وفي رواية:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:

لما نزلت: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) قال أبو الدَّحداح: يا رسول الله، إن الله يريد منا القرض؟.

قال: «نعم يا أبا الدَّحداح».

قال: أَرِنَا يَدَك.

قال: فَنَاوَلَهُ يَدَه.

قال: قد أَقْرَضْتُ رَبِّي حائطي– وحائطه فيه ستمائة نخلة-.

فجاء يمشي حتى أتى الحائط، وأم الدَّحداح فيه وعيالها، فنادى: يا أم الدَّحداح.

قالت: لبيك.

قال: اخْرُجِي فقد أَقْرَضْتُهُ رَبِّي([6]).

وكما قدَّم ثابت بن الدَّحداح ما يملك لله.. فقد جاء يومٌ قدَّم فيه نفسه لله أيضا.. ».

وقصة استشهاده في يوم أُحُد تكشف عن مدى استعداده دائماً للتضحية.. للبذل.. لإعطاء حياته، وهي أغلى ما يملك.

وتحت ثرى جبل أُحُد ترقد أجساد الأبطال، ويقف التاريخ خاشعاً على كل قبر.. يتمتم بعبارات الثناء والإطراء.. وإن كان ما فعله هؤلاء الشهداء فوق الثناء والإطراء([7]).

الدروس والعبر المستخلصة من هذه القصة:

1-  الزهد في الدنيا: ثمرةُ المعرفة بالله، والقناعةِ القلبية، وإيثارِ ما يبقَى ويدوم على ما يفْنَى.

2-  أعظم مهمة أدَّاها الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأتباعهم، هو نشر العقيدة الصحيحة، وإشاعة المودَّة والرَّحمة والعدالة بين جميع أفراد المجتمع الإنساني.

3-  خير من يعوِّض العباد عن أموالهم وأعمالهم الخيِّرة: خالِقُهم: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كِمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم)([8]).

4-  ثابت بن الدحداح، رضي الله عنه، كان ممَّن وفقه الله للبذل والعطاء، ابتغاء مرضاته، وثقة في صدق نبيه صلى الله عليه وسلم.

5-  قول أبي الدحداح للنبي صلى الله عليه وسلم: «فداك أبي وأمي» فيه ما فيه من شدَّة محبَّة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتوقيره واحترامه، تطبيقا لقوله تعالى: (لاَ تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضا..)([9]).

6-  يؤخذ من سؤال ابن الدحداح؛ مشروعية السؤال عند استشكال الأمر؛ لأن شِفاء العِيِّ: السؤال. وقد يكون استشكل مسألة القرض لله، مع الآية: (يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الْحَمِيد)([10]).

7-  الأب حريص بعاطفته الأبويَّة على جلب ما يتحقق نفعه لجميع الذرية وللأسرة كلها.

8-  مصافحة النبي صلى الله عليه وسلم، سعادةٌ وذُخرٌ لكل من مَسَّ شيئاً من جسده الشريف.

9-  مناولة الأيدي في البيع والشِّراء ضمانة وبرهان على إنجاز الصفقة بين المتبايعيْن.

10- إيثار الغير على النفس منقبة عظمى، أثنى الله عز وجل بها على الأنصار، ومن اقتدى بهم، فقال: (وَيُوثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)([11]).

11- أفضل الصدقة من المال وغيره: ما كان مَحْبُوباً للنفس؛ مصداق قوله تعالى: (لَنْ تَنَالُواْ البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون)([12]).

12- أصبح أبو الدحداح أحد المبشَّرين بالجنة، على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وَرَبِحَ بيْعُه.

13- مِنْ أعظم النِّعم: التوافق بين الزَّوجين على إسداء المعروف، وإغاثة الملهوف، طمعاً في مرضاة العليِّ الرؤوف.

14- يرحم الله أبا الدحداح؛ لقد استرخص في سبيل دينه، وحبِّ نبيِّه نفسه وماله. (وعند الله في ذاك الجزاء)([13]).                                                                            

 والحمد لله رب العالمين

 


([1])  سورة: التوبة، من آية: 111.

([2])  سورة: البقرة، من آية: 245، وسورة: الحديد، من آية 11.

([3])  العِذْقُ (بالكسر): هو الغصن من النخلة، والرَّدَاح: الثقيل.

([4])  دار فيَّاح: أي واسع.

([5]) رواه أحمد في: مسنده، رقم: (12482) 19/ 464، والطبراني في: المعجم الكبير، من يكنى أبا الدحداح: أبو الدحداح الأنصاري، رقم: (763) 22/ 300، والحاكم في: المستدرك على الصحيحين، وفيه: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ»: 2/ 24، والبيهقي في: شعب الإيمان، رقم: (3177) 5/ 124، والألباني في: السلسلة الصحيحة، وقال: صحيح رقم: (2964) 7/ 165.

([6]) رواه أبو يعلى الموصلي في: مسنده، مسند عبد الله بن مسعود، رقم: (4986) 8/ 404، والطبراني في المعجم الكبير، من يكنى أبا الدحداح أبو الدحداح الأنصاري، رقم: (764) 22/ 301. والحديث صحيح كما في: تخريج مشكلة الفقر للألباني 1/ 76.

([7]) القصة من كتاب: صور ومواقف من حياة الصحابة؛ لسعد يوسف أبو عزيز، ص: 290- 295.

([8])  سورة: البقرة، آية: 261.

([9])  سورة: النور، من آية: 63.

([10])  سورة: فاطر، آية: 15.

([11])  سورة: الحشر، من آية: 9.

([12])  سورة: آل عمران، من آية: 92.

([13])  عجز بيت من قصيدة لحسَّان بن ثابت، رضي الله عنه.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قصة سهيل بن عمرو رضي الله عنه، مع الإسلام

قصة سهيل بن عمرو رضي الله عنه، مع الإسلام

سهيل بن عمرو؛ سيِّدٌ من سادات قريش المرموقين، وخطيب من خطباء العرب المفوَّهين، وواحد من أهل الحَلِّ والعَقْد الذين لا يُقطع دُونهم أمر.

كان سُهيلٌ حين صدع الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوة الحق قد اكتمل واكتهل، وقد كان جديراً بعقله الرَّاجح ونظره الثَّاقب، أن يجعلاه أوَّل من يستجيب لدعوة نبيِّ الهدى والرَّحمة...

 

عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهِمَّته في طلب العلم.

عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهِمَّته في طلب العلم.

هو عبد الله بن عباس بن عبد المطَّلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حَبْرُ هذه الأمة، ومفسِّر كتاب الله وترجمانه.

روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، شيئاً كثيراً، وعن جماعة من الصحابة، وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة فضله ونبل أصله، رضي الله عنه وأرضاه.

قصة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم، جُلَيْبِيباً، رضي الله عنه، بابنة رجل من الأنصار

قصة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم، جُلَيْبِيباً، رضي الله عنه، بابنة رجل من الأنصار

يحكي لنا «أبو برزة الأسلمي» قصة جُلَيْبِيب، رضي الله عنه، فيقول:

«إن جليبيباً كان امرأً من الأنصار، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان لأحدهم «أَيِّمٌ» لَمْ يُزَوِّجْهَا حتى يَعْلَمَ هل للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فيها حاجة؟ أم لا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم لرجل من الأنصار: «يا فلان زَوِّجْنِي ابنتك».