خزانة الصحابة والتابعين

كتاب محض الخلاص في مناقب سعد بن أبي وقاص
كتاب محض الخلاص في مناقب سعد بن أبي وقاص

               يوسف بن حسن بن عبدالهادي المقدسي

                  المعروف بابن المِبْرَد (ت 909هـ)

 

     بقلم: عبداللطيف السملالي

من العلماء الأجلاء الذين اعتنوا بتراجم الصحابة، وأفردوا لبعضهم كتبا لطيفة المبنى جليلة المعنى: العلامة يوسف بن حسن بن عبدالهادي المقدسي المعروف بابن المِبْرَد (ت 909هـ)، الذي خص الخلفاء الأربعة والست الباقين من العشرة المبشرين بالجنة بكتاب مفرد لكل أولئك النجوم المضيئة في تاريخ الإسلام، ممن أبلوا البلاء الحسن في نصرة دعوة الإسلام، وممن صحبوا النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم في لحظات حاسمة من تاريخ الإسلام، وهم الذين تأسوا بهديه وحرصوا على التشبت بالتعاليم المحمدية وتشربوا معانيها، فتجلى أثر بعد ذلك في حركاتهم وسكناتهم، وكيف لا يحيون على تلك الطريقة وهم الذين تربوا بين يدي معلمهم الذي قوّم سلوكهم وهذّب أخلاقهم، وقد كان لقربهم منه الأثر الحسن في أحوالهم وسلوكهم ومواقفهم، وفي علاقاتهم بمحيطهم، فرضي الله عنهم أجمعين.

ومن جليل المؤلفات التي بادر إلى تأليفها ابن المبرد المقدسي (ت 909هـ) في موضوع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كتاب: (محض الخلاص في مناقب سعد بن أبي وقاص)، الذي أوجز في مقدمته الدواعي الذاتية التي أملت عليه الاهتمام بالعشرة المبشرين بالجنة، يقول المؤلف: >فإني لما وضعت مناقب الستة الخواص، أحببت أن أُسَبّعَ بمناقب سعد بن أبي وقاص، لأنه أحد العشرة الكرام البررة، فوضعت هذه النبذة في ذلك، راجيا من الله المعونة، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به وجميع المسلمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وسميته: (محض الخلاص في مناقب سعد بن أبي وقاص)، وجعلته خمسة وستين بابا<.

وإن هذه الأبواب الذي أشار إليها المؤلف مست جل مناحي سيرة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقد سرد فيها أحواله ومواقفه من مولده إلى مفارقته عالم الدنيا، والمتمعن في مجموع تلك المواضيع المسطورة في كتابه، سيتأكد له بجلاء المجهود الذي بذله المؤلف في صياغة كتابه وحسن ترتيب مواده وفيما يلي بيان شامل لتلك المواضيع:

في ذكر نسبه رضي الله عنه ـ في ذكر مولده ـ في ذكر إسلامه ـ في تقدم إسلامه ـ فيمن دعاه إلى الإسلام ـ في هجرته رضي الله عنه ـ في فضله ـ في أحاديث اجتمع فيها فضله مع غيره ـ في ذكر من آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينه ـ في بشارته بالجنة ـ غزواته مع النبي صلى الله عليه وسلم ـ في غزواته بعده عليه السلام ـ في قوته وشجاعته ـ في زهده وورعه ـ في سلاحه وعدته وما في معناه ـ في صفته وهيبته ـ في خضابه وما في معناه ـ في بكائه وخوفه وما في معناه ـ في ذكائه وفراسته وصدقه ـ في حلمه وصفحه ـ في علمه وما في معناه ـ في دعائه ومناجاته وما ذكر في أنه مجاب الدعوة ـ في مسائل أخبارها في المسند ـ في نبذة من مسانيده (عشرة أحاديث)ـ فيما قاله من الشعر وما في معناه ـ في كراماته وما في معناه ـ في كرمه ومروءته ـ فيمن روى عنه ـ في تعبده واجتهاده ـ في كتمانه للتعبد ـ في حجاته وعمره ـ في صدقاته ووقفه وعتقه ـ في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته له ـ  في موت النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض ـ في حسن صحبته الخلفاء ـ فيما ذكر من أنه أحد العشرة وأحد الستة وأحد الثمانية ـ في أزواجه وأولاده ـ في أقاربه وأهله ـ في مواليه وما نسب إليه ـ فيما ولّي، وحقه في الخلافة ـ في فراره من الخلافة وعدم تطلعه إليها ـ في فضله على من بعده ـ في ذكر من سوّى بينه وبين غيره ـ في اعتزاله الفتن ـ فيما ذكر من رميه وأنه أول من رمى ـ فيما ذكر من أنه السابع، وأشياء من هذا العدد ـ في فنون أخباره ـ في كلامه في الفنون ـ في كلامه في الزهد وما في معناه ـ في كلامه في أصول الدين ـ في رؤيته في النوم وما رآه أو رئي له ـ في كلامه قبل موته ووصيته ـ في ذكر موته ـ في تاريخ موته ومبلغ سنه ـ في غسله وتكفينه والصلاة عليه ـ في دفنه وموضعه ـ في عظم فقده ـ في فضل بقعته حال الحياة والموت ـ في ثناء الناس عليه ـ في محبته وثوابها ـ في عدواته وعقابها ـ فيما ذكر أنه نزل فيه من القرآن ـ في تركته وما خلّف ـ في شهود الملائكة له ـ في نبذة متفرقة فيه.

 وهذا الكتاب بحق جامع لأخبار هذا الصحابي الجليل، حافل بالإفادات التاريخية المرتبطة بمرحلة صدر الإسلام، استعرض المؤلف فيه بتفصيل جميع أطوار سيرته، معددا جميل الخلال التي كان يتحلى بها، مع إشادة بمناقبه الجليلة وفضائله الكثيرة، وأودع فيه ما حبا الله هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه من جليل الكرامات وحميد المكرمات، معرفا بالمشاهد والغزوات التي حضرها.      
فأتت ترجمته منسقة تنسيقا بديعا، دلّت على دربة المؤلف وتمكنه من فن الترجمة، وعلى حسن استثمار المعلومات المبثوثة في كتب التراجم والتاريخ والأخبار، وأبان عن درايته بمتون الأحاديث النبوية، كما أتت هذه الترجمة الدقيقة حاوية جميع أقواله ومواقفه، مع سرد نتف من مسانيده، ونبذ متفرقة من أحواله.  
ولما كان المؤلف من علماء الحديث ومن أرباب هذا الفن، وممن علا شأنه في تمحيص نصوصه، شحن كتابه بنصوص حديثية وافية بموضوعه، مستوعبة لمضمون مُؤَلَّفِهِ، وحرص في أحيان كثيرة على توزيع بعض تلك الأحاديث على الأبواب لاشتمالها على أكثر من فضيلة لهذا الصحابي،
كما أنه كان يستطرد أحيانا في ذكر بعض الفوائد والطرائف، فهو حينما ذكر أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، كان صاحب رماية وقوة، أورد إثر ذلك فصلاً في علم الرماية، وبيَّن جليل هذا العلم، وما ورد في شأنه على لسان النبي عليه السلام.
وحينما أشار إلى أن هذا الصحابي الجليل هو سابع سبعة في الإسلام، استعرض في فصل طويل ما ذكر في شأن هذا العدد عند بعض المخلوقات وما في معنى ذلك، مع إيراد بعض الآثار والأحكام المتصلة بهذا العدد في المسائل الفقهية، ولا يخلو هذا الفصل من إفادات وإنشادات طريفة، وقد ختمه بما ورد في القرآن الكريم من ذكر هذا العدد.
ولما جاء حديث المؤلف عن وصية سعد بن أبي وقاص أورد فائدة في استحباب الوصية، استند فيها إلى آيتين كريمتين وحديث نبوي.
و لم يغفل المؤلف الإشارة إلى مسائل من اختيارات سعد بن أبي وقاص الفقهية التي نثرت في كتب الفقه المختلفة، كما توقف عند مسنده حيث ذكر، اعتمادا على العلامة المحدث بقي بن مخلد من خلال رسالته: (عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث)، أن مجموع ما رواه هذا الصحابي الجليل 271 حديثا، واقتصر المؤلف على ذكر عشرة أحاديث من مروياته، وجلها رواها الإمام أحمد في مسنده. من ذلك: «الحديث العاشر: عن سعد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: صلاتان لا يصلى بعدهما: الصبح حتى تطلع الشمس، والعصر حتى تغرب الشمس. رواه الإمام أحمد».[1]  

لقد واصل المؤلف في ايراد الفوائد الواحدة تلو الأخرى ومن درة إلى نظيرتها، خاتماً ذلك بجملة وافرة من أحاديثه ومروياته المبثوثة في مصادر السنة المطهرة.

وأبان العلامة يوسف بن حسن بن عبدالهادي المقدسي من خلال كتابه (محض الخلاص)، عن وفائه لمدرسة أهل الأثر وتشبته بالنصوص الحديثية الموثقة الصحيحة في تجلية مناقب وفضائل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، كما أبرز سعة اطلاعه على مصادر تراث الصحابة الكرام، وأظهر حسن اقتناص المعلومات من مظانها وتوظيف موادها في بابها، واستعان في وضع هذا المصنف على كتب متنوعة زاخرة بأخبار هذا الصحابي الجليل، وحرص على توثيق نقوله، وكان أمينا في عزو الأحاديث إلى مصادرها.  والمسرد التالي يُجَلّي لنا موارد كتابه وثراء المادة المصدرية التي اعتمدها في صياغة كتابه، وهي في مجملها كتب: الحديث، ومعرفة الصحابة، والرجال، والتاريخ، والسير والمغازي:

  • المغازي. محمد بن عمر الواقدي (ت 207هـ).
  • المصنف. عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211هـ ).
  • السيرة النبوية. عبد الملك بن هشام (ت 213هـ).
  • المسند. أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت 241هـ).
  • الجامع الصحيح. محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ).
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت 261هـ).
  • معرفة الثقات. أحمد بن عبد الله العجلي(ت 261هـ).
  • السنن. محمد بن عيسى الترمذي (ت 279هـ).
  • كتاب مجابي الدعوة. عبد الله بن محمد بن عبيد المعروف بابن أبي الدنيا (ت 281هـ).
  • المجتبى من السنن. أحمد بن شعيب النسائي (ت 303هـ).
  • مسند أبي يعلى. أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي (ت 307هـ).
  • تاريخ الرسل والملوك. محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ).
  • المعجم الكبير. سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360هـ).
  • الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد. أحمد بن محمد الكلاباذي (ت 398هـ).
  • حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت 430هـ).
  • معرفة الصحابة. أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت 430هـ).
  • عقيدة السلف أصحاب الحديث. أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني (ت 449هـ).
  • دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة. أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458هـ).
  • سير السلف الصالح. أبو القاسم الأصفهاني. (ت 535هـ).
  • تاريخ دمشق. علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (ت 571هـ).
  • الأمالي. علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (ت 571هـ).
  • تلقيح فهوم أهل الأثر. عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت 597هـ).
  • صفوة الصفوة. عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت 597هـ).
  • أسد الغابة في معرفة الصحابة. علي بن محمد ابن الأثير (ت 630هـ).
  • تهذيب الكمال في أسماء الرجال. يوسف بن عبد الرحمن المزي (ت 742هـ).
  • تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال. محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748هـ).
  • سير أعلام النبلاء. محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748هـ).
  • البداية والنهاية. إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ).
  • شرح التبصرة والتذكرة في مصطلح الحديث. عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت 806هـ).
  • تهذيب التهذيب. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852هـ).

ومن جميل ما وشّح به المؤلف كتابه، وجعله مسك الكتاب أبيات بديعة في مدح هذا الصحابي الجليل، وهي في إبراز جليل مناقبه وفضائله، وهي تدل على المحبة التي كان يكنها الناظم نحو هذا العلم الفذ من أعلام الصحابة، وقد أملاها ابن عساكر في أحد مجالسه ، جاء فيها:

أحب سعد بن أبي وقاص== حبّاً شديداً ليس ذا انتقاص

وأرتجي بحبّه خلاصي == من هول يوم العرض والقصاص

لأنَّه في الدّين ذو إخلاص == جاهد كل جاحد خَرَّاص

من الأداني ثمّ من أقاصي == لما رأى المجوس في أغياص

أباح بالبلدان والصياصي == حتَّى اعترت مقفرة العراص

فأورث المطيع أرض العاصي == وقطع الأعناق والنواصي

ولم يكن للفُرْس من مناص == من بأس ذاك الأسد القنَّاص[2]

وتجدر الإشارة إلى أن كتاب (محض الخلاص في مناقب سعد بن أبي وقاص)، لا تعرف عنه اليوم سوى نسخة خطية الوحيدة، وهي محفوظة بدار الكتب الظاهرية بدمشق، تحمل تحت رقم 3248، ومن حسن الحظ أنها بخط المؤلف نفسه، وتم الفراغ منها في 13 شعبان 869هـ.

 وقد قيّض الله لهذا العلق النفيس عالما محققا وباحثا مبرزا هو: الشيخ محمد بن ناصر العجمي الذي شمّر عن ساعد الجد واجتهد في إخراج هذا الروض المنيف الجامع لفضائل ومكرمات هذا الصحابي الجليل، واعتنى بتحقيق نصوص هذا الكتاب وضبط كلماته.

 ولم يفت المحقق في بداية عمله المنشور أن يوثق روايته لهذا الكتاب، بل حرص على إبراز الاتصال بمؤلفه من خلال الإجازة التي تلقاها عن شيوخه.

وقد ظهر كتاب (محض الخلاص في مناقب سعد بن أبي وقاص) أول مرة  إلى عالم المطبوعات سنة 1427هـ/ 2006م، وباشرت نشره دار البشائر الإسلامية في بيروت. وهو يتألف من 344 صفحة. 


[1] . محض الخلاص.163.

[2] . محض الخلاص.315ـ المجلس 238، في فضل أبي اسحاق سعد بن أبي وقّاص. ابن عساكر. تحقيق: سكينة الشهابي. مجلة التراث العربي. عدد 11ـ12. السنة3.(1983).ص194و 195.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التحفة الجسيمة في ذكر حليمة

التحفة الجسيمة في ذكر حليمة

وفي سبيل إثبات صحبة السيدة حليمة، وإبراز الدليل على إسلامها توسل العلامة مغلطاي إلى تلك الغاية المنشودة بمَتْنَيْنِ اِثْنَيْنِ، مع إيراد بعض الشواهد المُعَضِّدَةِ التي كان يراها كفيلة بترجيح رأيه ...

التحفة الجسيمة في ذكر حليمة

التحفة الجسيمة في ذكر حليمة

  تَحْفَلُ كُتُب السِّيَر والشَّمائل ودلائل النُّبُوّة، وكتب الأخبار والتواريخ، ومتون الحديث الشريف بالعديد من الأخبار المتصلة بسيدة كان لها الأثر البليغ في تنشئة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رعاية شؤونه حيث كان يقيم في بيتها وبين أهلها وذويها، جزءا غير يسير من طفولته الأولى، فمن ثدييها الطَّاهِرَيْن رضع، وعلى صدرها المفعم بالمحبة غفا، وفي حِجْرِها الطَّافِح بالحَنَان دَرَجَ، ومن فصاحتها وفصاحة قومها بني سعد نهل.

السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين

السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين

حظيت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن بجليل التقدير وسمو المنزلة من قبل سلف الأمة وخلفها، إدراكا منهم لجميل الثناء ورفعة المنقبة التي وردت في حقهن في الذكر الحكيم وفي السنة المطهرة.