الحلقة الأولى: بين مصعب بن عمير، وأمه.

الحلقة الثالثة: مصعب بن عمير في ميدان الشهادة
الحلقة الثالثة: مصعب بن عمير في ميدان الشهادة

اعداد وتقديم: ذ/ نافع الخياطي.

 وتمضي الأيام والأعوام، ويهاجر الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، وتتلمَّظ قريش بأحقادها، وتُعِدُّ عُدَّةَ باطلها، لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين، وتقوم غزوة بدر، فيتلقَّوْن فيها دَرْساً يُفقدهم بقية صوابهم، ويسعون إلى الثأر، وتجيء غزوة أحد، ويُعبئ المسلمون أنفسهم، ويقف الرسول، صلى الله عليه وسلم، وسط صفوفهم يتفرَّسُ الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية.. ويدعو مصعب الخير، فيتقدم، ويحمل اللواء.

وتشبَّ المعركة الرَّهيبة، ويحتدم القتال، ويخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويغادرون موقعهم في أعلى الجبل، بعْد أن رَأوْا المشركين يَنْسَحِبون منهزمين، لكن عملهم هذا، سرعان ما يُحَوِّلُ نصر المسلمين إلى هزيمة. ويُفاجأُ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل، وتعمل فيهم على حين غِرَّة، السيوف الظامئة المجنونة.

حين رأوا الفوضى، والذعر في صفوف المسلمين، ركَّزوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لينالوه. وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر، فرفع اللواء عاليا، وأطلق تكبيرة كالزئير، ومضى يجول ويتواثب، وكل همه أن يلفت نظر الأعداء إليه، ويشغلهم عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، بنفسه، وجرَّدَ من ذاته جيشا بأسره. أجل، ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لَجِبٌ غزير. يد تحمل الراية في تقديس، ويد تضرب بالسيف في عنفوان. ولكن الأعداء يتكاثرون عليه، يريدون أن يعبروا فوق جثته إلى حيث يلقون الرسول، صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن سعْد: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن شُرَحْبيل العَبْدَري، عن أبيه قال: "حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة وهو فارس، فضربه على يده اليُمنى فقطعها، ومصعب يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.. وأخذ اللواء بيده اليسرى، وحنا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء، وضمه بعضديه إلى صدره، وهو يقول: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.. ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندقَّ الرمح، ووقع مصعب، وسقط اللواء".

وقع مصعبٌ، وسقط اللواء!!، وقع حلية الشهادة، وكوكب الشهداء..!!، وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء، والإيمان.. كان يظن أنه إذا سقط، فسيصبح طريق القتلة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خاليا من المدافعين والحماة، ولكنه كان يُعزِّي نفسه في رسول الله، عليه الصلاة والسلام، من فرط حبه له، وخوفه عليه، حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)([1]). هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها، ويكملها، ويجعلها قرآنا يتلى.

وبعد انتهاء المعركة المريرة، وجد جثمان الشهيد الرشيد راقداً، وقد أخفى وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية. لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة، رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يصيبه السوء، فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يحاذره، ويخشاه..!!. أو لكأنه خجلان إذا سقط شهيدا قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يؤديَ إلى النهاية واجب حمايته، والدفاع عنه..!! لك الله يا مصعب.. يا من ذِكْرُك عطر الحياة.

وجاء الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يتفقدون أرض المعركة، ويُوَدِّعُون شهداءها، وعند جثمان مصعب، سالت دموع وفيَّة غزيرة.

يقول خبَّابُ بن الأرت: "هاجرنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله. فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرَّتْ رِجْلاه، وإذا وضعناها على رِجْليْه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الإذخر".

وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رُزْءُ الرسول، صلى الله عليه وسلم، في عمه حمزة، وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام، وأوجع فؤاده.

وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه، وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالَماً من الصدق، والطهر، والنور.

على الرغم من كل هذا، فقد وقف على جثمان أول سفرائه، يودعه وينعاه. أجل وقف الرسول، صلى الله عليه وسلم، عند مصعب بن عمير، وقال وعيناه تلفانه بضيائهما، وحنانهما، ووفائهما: (من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)([2]). ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي دفن بها، وقال: "لقد رأيتك بمكة، وما بها أرق حلة، ولا أحسن لمَّة منك، ثم ها أنت ذا شعث الرأس([3]) في بردة..؟!".

وهتف الرسول، عليه الصلاة والسلام، وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب، وقال: "إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة". ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله، وقال: "أيها الناس زورهم، وأتوهم، وسلِّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة، إلا رَدُّوا عليه السلام"..

السلام عليك يا مصعب، السلام عليكم يا معشر الشهداء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العبر المستخلصة من هذه القصة:

1- الرسول، صلى الله عليه وسلم، يختار مصعب بن عمير لحمل راية الجهاد يوم أحد؛ لكفاءته، وشجاعته، وإخلاصه، ولقوة شبابه.

2- مخالفة الصحابة الكرام لأوامر النبي، صلى الله عليه وسلم، نتج عنها انهزامهم بعد أن كانوا منتصرين في بداية المعركة؛ فقد كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، أمرهم أن يثبتوا في أماكنهم، ولا يَغْترُّوا بطلائع النَّصر، ولكنهم أسرعوا لجمع الغنائم.

3- المشركون يُعيدون الكرَّة على المسلمين، ويقصدون النبي، صلى الله عليه وسلم، فيتصدَّى مصعب بن عمير، رضي الله عنه، لذاك الخطر الدَّاهم، ويرفع اللِّواء، وينطلق كالأسد، مُزَمْجِراً، مقاتلاً، حامياً الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولكن ماذا يفعل، وقد تكاثر عليه الأعداء من كل جانب.

4- قُطِعَت اليد اليمنى لمصعب، رضي الله عنه، ثم قُطعت يده اليسرى، فانحنى على اللِّواء، وضمَّه بعضديه إلى صدره، وهو يقول: (وما محمد إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل)([4])، ثم طُعِن بالرُّمح، فسقط على الأرض ومعه اللِّواء.

5- فداؤه لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، بنفسه وحياته، حفاظاً على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى لا يُصيبه مكروه.

6- على مِثْلِ مصعب بن عمير، تَنْسَكِبُ الدُّموع، وتتقطَّعُ الأنفس حَسْرةً وكَمَدا.

7- مصعب الخير الذي عاش بداية شبابه في التَّرف، والنَّعيم، وزَهْوِ الشباب، يُفضِّلُ أن يكون ممَّن قال الله فيهم: (إن الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة...).([5])

8- شدَّةُ حزن القائد الرسول، صلى الله عليه وسلم، على مقتل عمِّه حمزة "أسد الله"، وعلى أول سفرائه، المحبِّ المحبوب؛ مصعب بن عمير، وعلى جميع من قُتل من أصحابه في هذه المعركة، دفاعاً عن هذا الدين الحق، والرَّسول الحق، الذي أرسله الله رحمة للعالمين.

9- الرسول، صلى الله عليه وسلم، يقرأُ ما نزل في شأن هؤلاء الشهداء الأحياء: (من المومنين رجال ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا).([6])

10- الرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول؛ مُحَلِّياً إيَّاهم بوسام الشُّهداء، وهو يقول: "إن رسول الله يشهد أنَّكم الشهداء عند الله يوم القيامة".

11- الرسول، صلى الله عليه وسلم، يامر الأحياء من أصحابه بزيارة هؤلاء الشهداء، ويقول: "أيُّها الناس زورهم، وأتوهم، وسلِّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يُسَلِّمُ عليهم مُسَلِّمٌ إلى يوم القيامة، إلا رَدُّوا عليه السلام". قال الله تعالى: (ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربِّهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاَّ خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون...)([7]) صدق الله العظيم. والحمد لله رب العالمين.


([1]) - سورة: آل عمران، الآية: 144.

([2]) سورة: الأحزاب، الآية: 23.

([3]) الشَّعِثُ: المغبَّر الرَّأس، وتشعَّثَ: تلبَّدَ شَعَرُهُ، واغْبَرَّ. انظر: "لسان العرب؛ لابن منظور" مادَّة: (شَعَثَ).

([4]) سورة: آل عمران، الآية: 144.

([5]) سورة: التوبة، الآية: 111.

([6]) سورة: الأحزاب، الآية: 23.

([7]) سورة: آل عمران، الآية: 169- 170.

how long for viagra to work generic viagra from india pages edinburgh open
online open link
read unfaithful wives wives who cheat on husbands
go online click
mifepristone misoprostol pregnant on the pill prices for abortions
go induced abortion plan b abortion pill
discount coupons for prescriptions fyter.cn discount coupons for viagra
abortion clinic dallas tx cheap abortions abortion surgery
bystolic coupon 2013 bystolic generic alternative


: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الحلقة الثانية: مصعب بن عمير، أول سفير، ومعلم في الإسلام

الحلقة الثانية: مصعب بن عمير، أول سفير، ومعلم في الإسلام

اختار الرسول، صلى الله عليه وسلم، مصعب بن عمير، رضي الله عنه، لأعظم مهمة في حينها: أن يكون سفيره إلى المدينة، يفقه الأنصار الذين آمنوا، وبايعوا الرسول، صلى الله عليه وسلم، عند العقبة، ويُدْخِلَ غيرهم في دين الله، ويُعِدَّ ليوم الهجرة العظيم....

why do women cheat why husbands cheat reasons why women cheat on their husbands
go women who love to cheat married men cheat with men
prescription drug coupons outbackuav.com prescription discounts cards
metformin metformin metformin
progesterone progesterone progesterone