خزانة الصحابة والتابعين

من عاش مائة وعشرين سنة من الصحابة
من عاش مائة وعشرين سنة من الصحابة

للحافظ يحيى بن عبدالوهاب بن مَنْدَه الأصبهاني(ت 511هـ)

بقلم:ذ/ عبداللطيف السملالي

لقي موضوع الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، اهتماماً كبيراً من قبل علماء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها؛ وكيف لا يحتفون بهذه الزمرة الطيبة التي كان لها الصدى الحسن في تاريخ الأمة، وهم الذين صحبوا النبي، عليه الصلاة والسلام، في مراحل طويلة من دعوته، واقتبسوا من فيوض معارفه، واهتدوا بنوره؛ وسعوا جاهدين إلى نشر ذلك النور في الآفاق.

لقد عكف كثير من العلماء على تدوين أخبار الصحابة الكرام، وجمع سيرهم، وضبط مروياتهم عن صاحب الرسالة؛ عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم. وتنوعت كتاباتهم بين مصنفات جامعة لتراجمهم، وأخرى متخصِّصة بحسب نزولهم بلدة معينة من البلاد، أو بحسب طبقاتهم، أو بحسب أسمائهم، وأنسابهم، وكناهم.

وهناك من تفَرَّد بتتبّع أخبار المُعمَّرين من الصحابة والاهتمام بسيرهم، وأشهر رسالة في هذا اللون من التَّصْنيف هي: " من عاش مائة وعشرين من الصحابة" للحافظ يحيى بن عبد الوهاب بن مَنْدَه الأصبهاني (ت511هـ)، وهي رسالة لطيفة في بابها، تغْلُب عليها المادة الحديثية، وصاحبها سليل بيت علمي عظيم الشأن، نَبَغ فيه محدثون كُثْرٌ، لهم ظهور في مجالس التحديث. و في بيان جليل قدْرِ هذا البيت يقول الحافظ محمد بن أبي نصر اللفتواني(ت533هـ):" بيتُ ابن منده بُدِىء بيحيى وخُتِم بيحيى" يعني في معرفة الحديث والفضل والعلم[1]. وجَدُّ واضع هذه الرسالة  هو الحافظ المحدث الشهير محمد بن إسحاق ابن مَنْدَه (ت 395هـ) صاحب كتاب:" معرفة الصَّحابة" وغيرها من التآليف.

وكان الباعث على جمعه لهذه الرسالة هو أنه تلَقَّى سؤالا من شخص لم يُفْصِح عن اسمه، يرغب في معرفة  المعمَّرين من الصحابة، ممن بلغت أعمارهم مائة وعشرين سنة، وقد أشار  ابن منده إلى ذلك في طالعة رسالته قائلا: " سَأَلْتَ –رحمنا الله تعالى وإياك- أن أجمع لك من بلغتْ مُدّةُ عمره مائة وعشرين سنةً من أصحاب رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، فأجبتُكَ إلى ذلك بعد أن استخرت الله كثيراً، واعتمدته فيما أورد، وأصدر، هادياً ونصيراً"[2]

سعى المؤلف جاهداً إلى تقليب صفحات كتب الحديث المختلفة، ومصادر معرفة الصحابة، وسبر أغوارها لانتخاب المعمَّرين من الصحابة، وقد ترجم في هذا الجزء لأربعة عشر علماً ممن أدركوا مائة وعشرين عاماً، والواقف على تراجم هذه الرسالة سيجد أن من توفر فيهم شرطا الصحبة وطول العمر، المحدد في العدد السابق هم تسعة من الصحابة فقط وهم: حكيم بن حزام، وحُوَيْطب بن عبدالعزى، وسعيد بن يربوع، وسعد بن جنادة، وحسان بن ثابت، وحَمْنَن، ومُنتجِع، ونافع أبو سليمان العبدي، واللَّجْلاَج؛ وترجم لصحابيين اثنين لم يبلغا إلا خمس عشرة ومائة سنة وهما: عاصم بن عدي، ومخرمة بن نوفل، كما أدرج في رسالته ثلاثة من المخضرمين؛ أدركوا زمن النبي ،عليه الصلاة والسلام، ولم يجتمعوا به، سواء دانوا بالطاعة للإسلام في حياته أم لا؛ و هم: سعد بن إياس، أبو عمارة عبد بن خير، أبو شدَّاد العماني. وذَيَّل رسالته بذكر معمَّرين ليْسَا على شرطه: أحدهما تابعي هو القاضي شُرَيح بن الحارث؛ والآخر من أشراف قريش هو عتبة بن ربيعة. 

أما طريقة ابن منده في  تراجم رسالته؛فقد اتَّبَع فيها منهج المحدثين في كتب معرفة الصحابة، وهو لا يتوَسَّع في إيراد نسب الصحابي وأخباره وأحواله، وإنما اهتَمَّ بذكر الأحاديث وطُرقها، مقتفياً في ذلك أثر  ابن منده الجدّ في كتاب "معرفة الصحابة"، وربما اقتصر على ذكر أسمائهم مجردة.

وعلى عادة المحدثين اعتمد في رسالته على مصادر حديثية بروايته لها، وهنا تتَجلَّى أهمية المادة  العلمية التي جمعها، فجلُّها مسندة، معتمداً بالخصوص على: المعجم الكبير للطبراني، ومسند أبي يعلى، كما كان أميناً في إيراد النقول وعزْوِها إلى مصادرها، كالتاريخ الكبير للبخاري، وكتاب المفاريد للحضرمي...

و يلاحظ أن المؤلف لم يستقصِ جميع الصحابة المعمَّرين، وغالب الظَّن أنه لم تقع له رواية بالسند المتصل إلاَّ إلى الأسماء التي ترجمها في رسالته، لذلك بادَرَ من أتى بعده من الحفاظ إلى استدراك ما فاته من الأسماء، ومن أهم الرسائل في هذا الباب رسالة :"ريح النسرين فيمن عاش من الصحابة مائة وعشرين" للحافظ السيوطي(ت911هـ) الذي عبَّر عن مضمون رسالته في كتابه "تدريب الراوي في شرح تقريب النووي" قائلا:" وقد لخصْتُ جزْءَ ابن منده المذكور، وزِدْتُ عليه ما فاته"[3].

وتجدر الإشارة إلى أن كتب مصطلح الحديث وشروحها؛ خصَّت المعمرين من الصحابة بذكر أسمائهم؛ وتواريخهم؛ ووفياتهم، وقد أدرج  الحافظ السيوطي أسماءهم  في منظومته الشهيرة في علم مصطلح الحديث قائلا:

وَعِدَّةُ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا***عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُ

سِتُّونَ فِي الإِسْلاَمِ حَسَّانٌ، يَلِي***حُوَيْطبٌ، مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ

ثُمَّ حَكِيمٌ، حَمْنَنٌ، سَعِيدُ***وَآخَرُونَ مُطْلَقاً لَبِيدُ

عَاصِمُ، سَعْدٌ، نَوْفَلٌ، مُنْتَجِعُ***لَجلَاجُ، أَوْسٌ، وَعَدِيٌّ، نَافِعُ

نَابِغَةٌ. ثُمَّتَ حَسَّانُ انْفَرَدْ***أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ

ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ***بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ

وَمَاتَ مَعْ حَسَّانَ عَامَ أَرْبَعِ***مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ عَلَى تَنَازُعِ[4]

إن رسالة " من عاش مائة وعشرين من الصحابة" نالتْ حظّاً كبيراً من عناية المهتَّمين بتحقيق التراث، ساعدهم في ذلك وجود نسخ منها في خزائن العالم، وانكبُّوا على إخراجها؛ وتوثيق نصوصها؛ وتقريب مضامينها إلى الباحثين المهتمين بالتراث الإسلامي، وأهم نشرات الرسالة تمت من قبل الأساتذة المحققين:

  • حسين إسماعيل الحمل وسليمان مسلم الحرش. دار المفرج الدولية. دار طيبة. الرياض. (د.ت).
  • محيى الدين علي نجيب. نشره ضمن كتابه"الصحابة وما ألف عنهم مع اهتمام خاص بكتاب ابن منده" من عاش مائة وعشرين من الصحابة" نشرتْ مقدمتَه مجلة البصائر(فرنسا).عدد7.(1986).
  • مجدي السيد إبراهيم. مكتبة القرآن. القاهرة. 1989.
  • مشهور حسن سلمان. نشره ضمن سلسلة: (عيون الأعلام والتراجم والسير).مؤسسة الريان.بيروت.1992.

ويحسن التَّذكير في هذا السياق أن التراث العربي على امتداد القرون؛ حافل بكثير من الأخبار والراويات المتعلقة بذوي الأعمار الطويلة، واللافت للنظر أن المتقدمين وضعوا كتباً ورسائل كثيرة في هذا اللون من الـتأليف، أتى بعضها على ذكر المعمَّرين من الصحابة، ومن أشهر كتب التراث العربي في هذا الباب:

  1. كتاب المعمرين: لأبي مِخْنَف لُوط بن يحيى(157هـ). نقل منه كثيراً ابن حجر في الإصابة.
  2. كتاب المعمرين: لهشام بن محمد بن السائب الكلبي(206هـ). (معجم الأدباء.ياقوت الحموي2/494 – الوافي بالوفيات.الصفدي. 7/421).
  3. كتاب المعمرين: للهيثم بن عدي بن عبدالرحمن(ت209هـ).(معجم الأدباء2/498 – الوافي بالوفيات7/437).
  4. كتاب المعمرين وطرف أخبارهم:لأبي حاتم السُّجِسْتَاني(ت250هـ). نشر بمطبعة السعادة. مصر. 1905.
  5. كتاب المعمرين: لابن أبي الدنيا(281هـ). نقل منه ابن حجر في الإصابة3/309- الشوكاني في فتح القدير4/437. والسيوطي في الدر المنثور8/478.
  6. كتاب المعمرين: لأبي الوليد يونس بن الصفار(ت429هـ). (ترتيب المدارك2/48 – الديباج المذهب1/181) .
  7. أعمار الأعيان: لابن الجوزي(597هـ) نشر الكتاب بتحقيق محمود محمد الطناحي.مكتبة الخانجي.1994.
  8. أهل المئة فصاعدا: للإمام الذهبي(ت748هـ). نشر بتحقيق بشار عواد معروف. مجلة المورد العراقية.مج2. ع4.(1973).
  9. تعريف الفئة فيمن عاش من هذه الأمة مئة: لابن حجر العسقلاني(ت852هـ) ذكره في الإصابة4/169.
  10. ريح النسرين فيمن عاش من الصحابة مائة وعشرين: للحافظ السيوطي(ت911هـ). طبعت الرسالة قديما بلاهور، ضمن رسائل السيوطي، ونشرت بتحقيق عدنان أحمد مجود. دار الوفاء. جدة. 1985.  

 


[1] ـ ذيل طبقات الحنابلة. ابن رجب الحنبلي. 1/51.

[2] ـ من عاش مائة وعشرين سنة من الصحابة. ابن منده. تحقيق مجدي السيد إبراهيم.20

[3] ـ تدريب الراوي في شرح تقريب النووي. السيوطي.2/239.

[4] ـ ألفية السيوطي في علم الحديث. السيوطي. تصحيح وشرح: أحمد محمد شاكر. 143- 144.  

discount coupons for prescriptions fyter.cn discount coupons for viagra
free viagra samples coupon prescription discount coupon pfizer viagra coupons
facts on abortion cons of abortion having an abortion


 
2012-06-15 00:04zYqaxAleEJjApbaxD

The forum is a brighter place tanhks to your posts. Thanks!

: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

كتاب محض الخلاص في مناقب سعد بن أبي وقاص

كتاب محض الخلاص في مناقب سعد بن أبي وقاص

من العلماء الأجلاء الذين اعتنوا بتراجم الصحابة، وأفردوا لبعضهم كتبا لطيفة المبنى جليلة المعنى: العلامة يوسف بن حسن بن عبدالهادي المقدسي المعروف بابن المِبْرَد (ت 909هـ)، الذي خص الخلفاء الأربعة والست الباقين من العشرة المبشرين بالجنة بكتاب مفرد لكل أولئك النجوم المضيئة في تاريخ الإسلام، ممن أبلوا البلاء الحسن في نصرة دعوة الإسلام، وممن صحبوا النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم في لحظات حاسمة من تاريخ الإسلام، ...

دَرُّ السَّحابة فيمن دخل مصر من الصحابة لجلال الدين السيوطي (ت 911هـ)

دَرُّ السَّحابة فيمن دخل مصر من الصحابة
لجلال الدين السيوطي (ت 911هـ)

لقد اعتنى علماء الأمة قديما وحديثا بأخبار الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وعكفوا على توثيق سيرهم وهم يصحبون سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام، وجلوا مواقفهم وبطولاتهم في المشاهد التي أبلوا فيها البلاء الحسن، كما اقتفوا آثارهم في البلدان التي نزلوا فيها أثناء الفتوحات الإسلامية التي اتجهت صوب غرب بلاد الحجاز وشرقها وشمالها وجنوبها، وكانت وفود تلك الصفوة المباركة على تلك البلاد المفتوحة خيرًا وبركة على أهلها الذين أفادوا من علمهم، واقتبسوا من آثار مشكاة النبوة،...

كتاب البلاغة العمرية

كتاب البلاغة العمرية

الكتاب تخير فيه مؤلفه جواهر كلام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مما حفلت به كتب الآثار والأدب العامة، نحا فيه صاحبه منحى الشـريف المرتضـى في كتابه: نهج البلاغة الذي ضم فيه كلام الإمام علي كرم الله وجهه وغرر خطبه البليغة.