دفاعا عن الصحابة والتابعين

مع نُعَيْمَان وسُوَيْبِط
مع نُعَيْمَان وسُوَيْبِط

د/ بدر العمراني

كثيرا ما تصادفنا خلال مطالعاتنا لسير الصحابة رضوان الله عليهم، قصص وحوادث يمجها السمع، ويأباها المنطق والشرع، وإذا تأملناها ودققنا النظر فيها، حسبناها شبهة مشوشة، وطعنا صادما، من ذلك قصة نعيمان وسويبط التي تناقلتها المصادر والمراجع على أنها مسلمة وطريفة من الطرائف([1])، وفي هذا المقال نكشف اللثام عنها، ونجليها، وبالله التوفيق:

رواها أبونعيم الأصبهاني([2]) من طريق الإمام أحمد بن حنبل([3]) قال: ثنا روح، ثنا زمعة، قال: سمعت ابن شهاب الزهري، يحدث عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة، أن أبا بكر خرج تاجرا إلى بصرى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، [زاد روح: ومعه نعيمان، وسويبط بن حرملة، وكلاهما بدري]، وكان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان فقال: أطعمني. فقال: لا، حتى يأتي أبو بكر، وكان نعيمان رجلا مضحاكا مزاحا، فقال: لأغيظنك، فذهب إلى ناس جلبوا ظهرا، فقال: ابتاعوا([4]) مني غلاما عربيا فارها([5])، وهو ذو لسان، فلعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني، لا تفسدوا غلامي، فقالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص([6])، فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عَقَلَها([7])، ثم قال: دونكم، هو ذا، فجاء القوم، فقالوا: قد اشتريناك، قال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر، فقالوا: قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته، فذهب هو وأصحاب له، فردوا القلائص، وأخذوه، فضحك منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حَوْلاً([8]).

ورواه ابن ماجه([9]) من طريق وكيع قال: حدثنا زمعة بن صالح عن الزهري عن عبد الله بن وهب بن زمعة عن أم سلمة بنحوه؛ لكنْ قلبه: جعل المازح سويبطا، والمبتاع نعيمان([10]).

ورواه الزُّبَيْر بن بَكّار في كتاب الفُكَاهَة هذه القصة من طريق أخرى عن أم سلمة([11])؛ إلا أنه سماه سليط بن حَرملة وأظنه تصحيفاً، وقد تعقبه ابن عبد البر وغيره، قاله ابن حجر([12]).

هذا الخبر منكر من جهتين:

الأول: من جهة الإسناد

فيه: زَمْعَةُ بْنُ صَالِح، من رجال الترمذي وابن ماجه. يروي عن عمرو بن دينار، وابن طاوس. وهو يمانى. نزل مكة. حدث عنه ابن مهدي، وعبد الرزاق، وخَلْق. أخرج له مسلم مقرونا بآخر.

ضعفه أحمد، وابن معين. وقال ابن معين مرة: صُوَيْلِح الحديث. وقال أبو زُرْعة: لَيِّن واهي الحديث. وقال البخاري: يُخالَف في حديثه، تركه ابن مهدي أخيرا. وقال النسائي: ليس بالقوي، كثير الغلط، عن الزهري. وقال أبو داود: ضعيف([13]).

يُستفاد من هذه الأقوال أن الرجل ضعيف، كثير الغلط، وخصوصا في روايته عن الإمام محمد بن شهاب الزهري، وهذه القصة رويت من طريقه.

وأما المتابعة التي وردت من طريق الزبير بن بكار عن يحيى بن أبي الحارث بن عبد الله الأصغر بن وهب بن زمعة، عن جابر بن علي بن يزيد بن عبد الله الأصغر بن وهب بن زمعة، عن قريبة بنت عبدالله الأصغر بن وهب، عن أبيها، عن أم سلمة.

ففيها من لا يعرف حاله، مثل: قُرَيْبَة بنت عبدالله الأصغر بن وهب، قال الذهبي في الميزان: تابعية. تفرد عنها ابن أخيها موسى بن يعقوب([14]). وقال ابن حجر في اللسان-فصل في النساء المجهولات: عن أبيها وعنها بن أخيها موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة([15]).

يعني: مجهولة الحال.

الثانية: من جهة المتن، فقد وردت به أمور منافية لآداب الشرع وأخلاقه، منها:

- مخالفته للحقيقة، ويتمثل في قول نُعيمان عن سُويبط: ابْتَاعُوا مِنِّي غُلاماً عَرَبِيّاً فَارِهاً، وَهُوَ ذُو لِسَانٍ ، وَلَعَلَّهُ يَقُولُ : أَنَا حُرٌّ .. وهذا كذب مناف لواقع الحال. والوعيد الوارد في الكذب والكاذبين شديد، منها قوله تعالى: ((فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ))([16])، وسبيله وخيم يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعاً، قَالَ: إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا([17]).

- بيع الحر: والمقصود بالحر "سويبط". وهذا الصنيع ورد فيه وعيد شديد، وهو كبيرة من الكبائر، روى البخاري في صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعاً، قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ([18]).

- إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحادث، والسكوت عنه دون إنكار، وهذا مخالف لأخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحواله، فهو –عليه الصلاة والسلام- لا يقر منكرا، ولا يسكت عنه دون بيان. ولنا في سيرته صلى الله عليه وآله وسلم حوادث وقصص تثبت ذلك، منها:

- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده .فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) رواه مسلم([19]).‏

- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فردّ، وقال: (ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع يصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرده وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل ) فرجع ثلاثا،ً فقال والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني؟ فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، وافعل ذلك في صلاتك كلها ) رواه البخاري([20]).‏

- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد تحجرت واسعاً ).. ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع إليه الناس فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه سَجْلاً من ماء ، أو قال: ذنوباً من ماء ) رواه أبو داود([21])، وصححه الألباني. تحجرت واسعاً: ضيقت ما وسعه الله، وخصصت به نفسك دون غيرك.‏

ولأجل هذا قرر الفقهاء القاعدة الفقهية الشهيرة: " تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقّ النبي صلى الله عليه وسلم".

وبهذا نكون قد برأنا ساحة الصحابي النُعَيْمَان رضي الله عنه مما لُفِّق به من باب الإطراف والدعابة. والله أعلم.


([1]) قال ابن عبد البر في الاستيعاب 323 عند ذكر القصة: وله قصة ظريفة مع نعيمان وأبي بكر الصديق نذكرها لما فيها من الظرف وحسن الخلق؟؟

([2]) معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني رقم: 6385. ص: 2665. أسد الغابة 5/332.

([3]) المسند 18/296 رقم: 26566.

([4]) ابتاع: اشترى.

([5]) غلامٌ فارِهٌ حَسَنُ الوجه. لسان العرب (فره) 13/521.

([6]) قلائص، ج: قَلُوص: وهي الناقة الطويلة القوائم. لسان العرب (قلص) 7/79.

([7]) عقلها: ربطها.

([8]) حولا: سنة.

([9]) السنن- كتاب الأدب: باب المزاح. رقم: 3719. ص: 206.

([10]) انظر أسد الغابة لابن الأثير 2/592.

([11]) رواها ابن عساكر في تاريخ دمشق 22/161.

([12]) الإصابة  11/114.

([13]) ميزان الاعتدال 2/81.

([14]) ميزان الاعتدال 4/609.

([15]) لسان الميزان 9/497.

([16]) آل عمران:60.

([17]) صحيح البخاري- كتاب الأدب: باب قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} وما ينهى عن الكذب. رقم: 6094. 4/109.

([18]) صحيح البخاري- كتاب البيوع: باب إثم من باع حرا. رقم: 2227. 2/120.

([19]) صحيح مسلم- كتاب اللباس: باب تحريم خاتم الذهب على الرجال ... رقم: 2090. ص: 867.

([20]) صحيح البخاري- كتاب الصلاة: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات ... رقم: 757. 1/247.

([21]) سنن أبي داود- كتاب الطهارة: باب الأرض يصيبها البول. رقم: 380. ص: 72.

read here my wife cheated on me with my father married men who cheat
dating a married woman go cheaters caught
go open click
online link read here
abortion clinics in miami open abortion definition
how to terminate a pregnancy abortion at 12 weeks getting pregnant after abortion
bystolic savings card forest laboratories patient assistance


: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الهجوم على بيت فاطمة؟

الهجوم على بيت فاطمة؟

يقول صاحب الحقيقي والوهمي من سيرة عمر بن الخطاب: (كثر الحديث في أيّامنا حول التشكيك في الهجوم على بيت فاطمة (ع)، مع أنّ أبا بكر بن أبي قحافة اعترف شخصيّا أنّه كشف بيت فاطمة، وقال ذلك في آخر حياته كالنّادم على فعلته، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز. قال أبو بكر بن أبي قحافة: "فأما الثلاث اللاتي وددت أنّي لم أفعلهنّ فوددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته، وأن أغلق علي الحرب، ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر..الخ الحديث"...

أئمة يهدون بأمرنا

أئمة يهدون بأمرنا

قال الحاكم الحسكاني: (وفيها ــ أي سورة السجدة ــ نزل أيضا قوله تعالى:

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ

خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة الزهراء رضي الله عنهم

خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة الزهراء رضي الله عنهم

مما يذكره المغرضون للحط من مكانة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، رفض الرسول صلى الله عليه وسلم خطبتهم بضعته الشريفة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. ويستدلون بما رواه النسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه من طريق الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما فَاطِمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ.